الجمعة، 16 نوفمبر 2012

فتوى إرضاع الكبير..بلوى جديدة وخير محتمل د.أيمن محمد الجندى

مرة أخرى.. بلوى جديدة، فتوى جديدة، فتنة جديدة.. لكنها تشتمل أيضا على خير محتمل.. الفتوى جاءت هذه المرة من قلب الأزهر.. رئيس قسم الحديث أباح -سامحه الله- للمرأة العاملة أن تقوم بإرضاع زميلها في العمل بالتقام الثدي مباشرة!! مؤكدا أنه يمكنها بعدها أن تخلع الحجاب وتكشف شعرها أمام من أرضعته، مطالبًا بتوثيق هذا الإرضاع رسميًا، ومعتبرا أنه مفيد للإسلام.. ومن يعترض فإن اعتراضه ليس عليه وإنما على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الدليل على مشروعية ذلك حديث مذكور في البخاري ومسلم، ملخصه أن أبا حذيفة كان قد تبنى سالما قبل أن يبطل التبني، فصار يدخل البيت وزوجة أبي حذيفة لا تحتجب عنه لأنه ابنها، فلما أبطل الله تعالى التبني صار سالم -وقد كبر- أجنبيا عن "سهلة" امرأة أبي حذيفة التي جاءت تشتكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: "أرْضِعيه تَحْرُمِي عَلَيه".
مسكنات وقتية
بالطبع رد الكثيرون الفتوى على اعتبارأنها كانت حالة خاصة في ظروف معينة يستحيل تكرارها، لكنني بصراحة أومن أن هذه الردود مسكنات وقتية وتطييب خواطر.. الأصل في الحديث نفسه.. من الطبيعي أن يفرز مثل هذا الحديث مثل هذه الفتوى.. ومادمنا نتعامل مع كتب الحديث بكل هذه الرهبة والإفراط في التقديس فمن الطبيعي أن تتحول ثقافتنا إلى شرح وشرح للشرح وشرح لشرح الشرح.
البخاري ومسلم مع عظيم الاحترام لهما عمل بشري مهما بلغت دقته وأمانته.. ومتن هذا الحديث يثير الاستغراب من عدة نواح؛ فالقرآن الكريم حدد وقت الرضاعة بما لا يتجاوز العامين: "والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة"، والرسول كان أشد حياء من العذراء في خدرها، كما أن الإسلام بطبيعته دين عالي الذوق والرهافة والحساسية.
المشكلة أنك لو غامرت بإعلان ريبتك في صحة هذا الحديث فسيتهمونك على الفور بمعاداة الدين وهدم السنة.. وكأن الإسلام العظيم جاء لإرضاع الكبير وغمس الذبابة في كوب الماء وفقأ موسى لعين ملك الموت!!.. سيقولون لك إن رفضك حديثا واحدا في البخاري كرفضك له كله؟.. فيهذه الحالة كيف ستصلي العصر يا حلو والقرآن لم يحدد عدد الركعات؟ والخلاصةأنها صفقة تأخذها كلها أو تتركها كلها والاختيار لك.Take it or leave it..
مغالطات محرجة
هكذا يرهبونك فتضطر للصمت محرجا، لكن دعني أصارحك أن تلك الصيغة تنطوي على مغالطات جسيمة؛ فمقاصد الإسلام الكبرى هي التوحيد لله "اعبدوا الله ما لكم من إله غيره" والعدل مع الآخرين "إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي".. لمثل هذه القيم اتصلت السماء بالأرض ونزل أمين الوحي جبريل على قلب الرسول عليه الصلاة والسلام.. لا لإرضاع الكبير وغمس الذبابة وفقأ عين ملك الموت. أما تقديم السنة النبوية على اعتبارأنك مضطر للاختياربين قبول البخاري كله أو رفضه كله فعنت وغبن.. يقول شيخنا الغزالي في كتابه القيم "السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث": إن السنة ليست كلها سواء، فمنها متواتر له حكم القرآن الكريم، وفيها الصحيح المشهور الذي يفسر كتاب الله.. وفيها ما يصح سندا ويضعف متنا، وضرب مثالا بين أمثلة كثيرة يمتلئ بها الكتاب برفض السيدة عائشة حديث عذاب الميت ببكاء أهله (وهو المثبت في الصحاح) لتعارضه مع قول الله تعالى (ولا تزر وازرة وزر أخرى).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق