الجمعة، 8 يونيو 2012

ابتكار الأطروحة الخارقة للعادة "من يقتل من؟"


انطلاقا من المذابح الفظيعة المرتكبة في خريف سنة 1997 بدأ الرأي العام العالمي أخيرا يعير اهتمامه للعديد من الملاحظين خاصة بعض المنظمات غير حكومية لحقوق الإنسان، الصحافيين وخبراء الأزمة الجزائرية الذين كانوا يشكون منذ مدة في تورط قوات الأمن في أعمال العنف المنسوبة للإسلاميين. ولكن إلى ذلك التاريخ كان هؤلاء المنادون والمستصرخون كمن يؤذن في مالطا!
إن تصور قيام قوات تابعة للجيش بارتكاب أو مساعدة من يقوم بارتكاب جرائم مماثلة، هو بكل تأكيد صعب التقبل والتصديق!! خاصة وأن هذه الأفعال قد بلغت في بشاعتها درجة لا يكاد يتصورها المرء فكيف يبلغ الخيال بالإنسان أن يتصور مواطنين بسطاء (بينهم أطفال، نساء وشيوخ طاعنون في السن) يُختطفون، يُشوهون، يُغتصبون، يُقتلون، يُذبحون... بتحريض من أولئك الذين يفترض أن يكونوا حماتهم ومنقذيهم من ذلك ؟
ومع ذلك، كما سنرى، فإن كل المناورات والألاعيب السابقة لأعمال العنف التي قام بها الإسلاميون، والتي كنت شاهدا عليها، كانت مؤشرا مسبقا لهذه الفظائع والشناعات. فمن المؤكد وبصفة خاصة أنه منذ سنة 1992 حتى سنة 1996، قامت جماعات إسلامية مستقلة بارتكاب جرائم وفظائع مريعة، ولكن القسم الأكبر من الاغتيالات والمذابح الجماعية المنسوبة إلى الإسلاميين منذ سنة 1992، وبصفة أخص منذ سنة 1997 هي في الحقيقة أعمال مباشرة أو غير مباشرة قام بها رجال تابعون نظاميا لهياكل الأجهزة الأمنية!!
إن هذا الموضوع هو الذي سأنكب على توضيحه والبرهنة عليه عبر فصول هذا الكتاب، كما أشرت في المقدمة، وذلك بهدف المساهمة في إظهار الحقيقة الخاصة بهذه "العشرية الحمراء" المتميزة بأرقام مفزعة تتمثل في 000 200 قتيل و1200 مفقود وعشرات المراكز للتعذيب (بمقياس "صناعي")، 000 13 معتقل 000 400 لاجئ وأكثر من مليون مُنقل أو نازح. ونتج عن هذه النكبة التي ضربت اقتصاد البلد إفقار جزء كبير من أفراد الشعب (البطالة مست أكثر من 30 % من الأفراد العاملين. ومن خلال تقديرات بعض المنظمات الدولية غير الحكومية فإن حوالي 15 مليون من أفراد الشعب الجزائري يعيشون تحت عتبة الفقر، وهو أمر متناقض تماما مع واقع بلد بمثل غنى الجزائر)، كما ظهرت من جديد أمراض سبق القضاء عليها منذ عشرات السنين (التيفوئيد، السلّ، الطاعون...) وتفشي آفات اجتماعية بصفة عامة (الرشوة، اللصوصية، الدعارة، الانتحار...).
إن هذا الكتاب يهدف - إذاً - إلى الحيلولة دون وقوع تزييف آخر، وتشويه جديد لتاريخ الجزائر، على غرار ما حصل بالنسبة لتاريخ حرب التحرير، الذي أعاد كتابته دجالون جعلوا أنفسهم أبطالا.
ذلك لأن الرأي العام العالمي ما يزال بعيدا جدا عن التصديق بالمدى الواسع الذي بلغته التلاعبات والمناورات الشيطانية التي قام بها الـ(أ.ع/SM) [هذا الشعار الأسطوري الذي لم يتبدل رغم كل التغييرات التي طرأت على التسمية كـ "المديرية المركزية لأمن الجيش" (م.م.أ.ج/DCSA) و"المندوبية العامة للتوثيق والأمن" (م.ع.ت.أ/DGDS) والتسمية الأخيرة منذ سبتمبر 1990 5 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftn5)وهي "قسم الاستخبارات والأمن" (ق.إ.أ/DRS) وبصفة خاصة تلك التي تهتم بالأخبار والإعلام عن أحداث الحرب والتي تُستبدل بها تلقائيا، وبمهارة فائقة أخبارٌ مشوهة "على المباشر".
ولعل التجسيد الأكثر إثارة للعجب والدهشة لهذه السياسة التشويهية المنقطعة النظير هو بدون شك ذلك الابتكار العجيب لأطروحة " من يقتل من؟" في أواخر سنة 1997. فبعد المذابح الرهيبة المرتكبة في ضواحي العاصمة صمم المناضلون الجزائريون لحقوق الإنسان والمنظمات الدولية غير الحكومية للدفاع عن حقوق الإنسان على المطالبة من جديد، بلجنة تحقيق دولية مستقلة لتسليط الضوء على الشكوك المخيمة حول تورط قوات الأمن في أعمال العنف المنسوبة إلى الجماعات الإسلامية.وفي هذه المرة بدأ صوتهم يسمع من "المجموعة الدولية" إلى درجة أن الناطق الرسمي باسم الحكومة الأمريكية جيمس روبين قد صرح يوم 05 يناير 1998 بأن حكومة بلاده ترغب في لجنة تحقيق دولية لمعرفة المسؤولين عن ارتكاب هذه المذابح ومدبريها 6 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftn6).
أمام هذا التهديد قامت مصلحة الدعاية في (ق.إ.أ/DRS) 7 (http://www.anp.org/cds/chronique1.htm#_ftn7)بابتكار شعار في غاية الفعالية والخطورة، حيث قامت باستعمال عملائها الإعلاميين في الجزائر وفي الخارج (وخاصة في فرنسا حيث يزيد عددهم عن الحاجة) للترويج والإيحاء بأن هذه المنظمات الدولية والشخصيات التي تساندهايجرؤون على طرح تساؤل "من يقتل من؟"، مع العلم أن هذه الصيغة في الحقيقة لم يسبق على الإطلاق أن استعملها المدافعون عن حقوق الإنسان (...) وهو التساؤل الذي وصف تلقائيا "بالبذاءة" (وهو التعبير نفسه الذي استخدمه بصفة خاصة كل من الفيلسوفين الفرنسيين اندري كلوكصمن، وبيرنار هنري ليفي)، لوصف تلك العبارة!، " ذلك أن كل هذه الجرائم، كانت قد أعلنت الجماعات الإسلامية المسلحة مسؤوليتها عنها"، ناسين بكل تأكيد التحقق من وجود هذه الاعترافات أصلا، وإذا ما وجدت بالفعل التأكد من صحتها!
ونلاحظ خلال السنوات اللاحقة، وحتى اليوم، أن كل من يشكك في دور قوات الأمن في الاغتيالات والمذابح التي ما يزال حتى الآن يكتنفها الغموض وتحوم حولها الشكوك.. نجدهم يلصقون به فورا وبصفة تلقائية تهمة "نصير أطروحة من يقتل من؟" [إن ما يجب أن يُعرف هو أن مصلحة الدعاية التابعة لـ(ق.إ.أ/DRS) وصحافة معروفة بعينها مكلفين خصيصا بمتابعة وكشف أي محاولة للتشكيك في مصداقية الخطاب الرسمي...و إن أقل تلميح أو أبسط تساؤل ولو محتشم في هذا الخصوص يدان في الحين ويتهم "بمحاولة تبرئة الإسلاميين من جرائمهم"، وذلك لتأكيد وترسيخ التفسير الرسمي السائد للصراع، والمتمثل في شرعية الحرب التي يخوضها الجيش الجمهوري اللائكي ضد "مجانين الله الإرهابيين"]. وقد أتاح هذا التبسيط للأمور، تبرير كل الجرائم، وذلك بحصر هذه المأساة في صراع ثنائي مخادع بين بعض أطرافه المحركة، والتغاضي عن أطراف أخرى لا تقل أهمية، ابتداء من الشعب ذاته!
إن هذه الممارسات التي تغذي الخلط والإبهام قد بلغت في تفننها من الإتقان ما يجعل الشك يساور أكثر الناس حنكة وفطنة ودراية. وهكذا فليوهموا الرأي العام بأن هذه المذابح المرتكبة في حق المدنيين قد تمت بالفعل على أيدي الإسلاميين... قام (ق.إ.أ/DRS) بضبط آلية جهنمية لا تكاد تخطئ الهدف ويتمثل هذا "الاختراع الشيطاني" في إدراج إسلاميين حقيقيين ضمن مجموعات (مُشكلّة) من تلك الوجوه الإسلامية وعناصر من وحدات الأمن، وتكلف هذه المجموعة بتنفيذ العمليات المبرمجة في الزمان والمكان المحددين...(ويتعلق الأمر هنا بأفراد من الإسلاميين كانوا قد ألقي عليهم القبض من قبل، وتم إكراههم، سواء تحت التعذيب أو إغراؤهم بتقديم وعود لهم بالتخفيف، أو الإعفاء من جرائم ثابتة ضدهم... والنتيجة هي إرغام هؤلاء أو أولئك على التعاون مع القوات الخاصة المكلفة بتنفيذ العمليات، وساعة ارتكاب المذبحة يأمر المسؤولون بتجاوز المنازل الأولى من الحي أو القرية المستهدفة، ويتعمدون عدم قتل أهلها، كي يتخذوا منهم في اليوم التالي شهود إثبات على أنهم رأوا بأم أعينهم سير العملية من البداية إلى النهاية، وأنهم تعرفوا، بما لا يدع مجالا للشك على إسلاميين يتقدمون المجموعة المهاجمة التي ارتكبت "المذبحة".
ولا داعي للإشارة هنا أن وجوه هؤلاء الإسلاميين "دليل دفع التهمة" تكون طوال الليل مكشوفة بينما تظل وجوه بقية عناصر المجموعة المجرمة من قوات الأمن كلها ملثمة!!
وهكذا فإن حبك الأمور بهذه الكيفية الشيطانية هو الذي جعل أطروحة "من يقتل من؟" تأتي أكلها وتحقق النجاح المأمول لها في نظرهم!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق